السيد محمد تقي المدرسي

38

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

بين العلم والقطع وللفرق الواسع بين العلم كنورٍ إلهي وبين القطع كحالةٍ نفسية ، فإن أساس المنهج الإسلامي يختلف عن المنهج الفلسفي في استنباط الأحكام فالعلم والعقل حيث ذاتهما طرد الريب ، وبعث السكينة في الفؤاد ، ولا يمكن التشكيك فيهما لَمنْ أوتي منهما شيئاً ، بينما القطع حيث ذاته الجهل بالخلاف ، فلأنه لا نعرف غير هذا الحل فلا جرم من القبول به ، فحيث ذاته ليس الكشف ، وهو يحتمل الردع عنه بطريقةٍ أو بأخرى . وبتعبير آخر : القطع حالة نفسية ، والعلم يورث الحالة النفسية ( السكينة والطمأنينة والثقة ) . ولكن ليس كل حالة نفسية هي نتيجة العلم ، فقد تأتي هذه الحالة بسبب شذوذ في النفس كالعجلة في الحكم ، أو اتباع الهوى ، وطبع الله على القلب ، والجهل بالاحتمالات الممكنة الأخرى وما أشبه . فلأن هذه الحالة النفسية لا تعكس دائماً العلم بالحقائق فلا يجوز جعلها مقياساً للحقيقة . بل لا بدّ أن نبحث عن مقياسٍ آخر . والمقياس الآخر هو معرفة العقل وخصائصه ، والعلم وميزاته ، وكشفهما كشفاً ذاتيّاً ، وتمييزهما عما يتشابه معهما من الحالات النفسية ، أو وساوس الشيطان ، وإلقاءاته . فآنئذٍ فقط نحظى بمقياسٍ دقيق لمعرفة الحقائق . وليس هذا سهلًا ، بل إنه أصعب شيء منالًا . ولا يكون ذلك بصورة كاملة إلا بتأييد الله سبحانه ، ومَنْ لم يجعل الله له نوراً فما له من نورٍ « 1 » . يقول في هذا الأمر العلامة الميرزا الأصفهاني : اليقين الحاصل من منشأ عقلاني حجة بالفطرة العقلانية ، وطريقته العقلائية عبارة عن رؤية المتيقن واقعاً والجزم به . وحيث أنه حجة عقلائية ليس للإنسان الاكتفاء به ، بل يجب عليه طلب العلم ، ولا يعذر - بعد الالتفات إليه - . ثم إن اليقين‌كما أشرناإنما يكون حجةً عقلًا إذا حصل عن منشأ عقلائي تقتضي اليقين ، ولا كقطع القطاع ( وقطع الشخص ) الوسواس ، فإن هذا ليست بحجة الفطرة . وحيث أن حجية اليقين العقلائي ليست ذاتيةً - كما عرفت - فلا بد من كَشف حجتيه

--> ( 1 ) - نتحدث إن شاء الله بتفصيل عن كيفية تمييز العقل عن الجهل .